لم تعد العناية بالصحة مرتبطة فقط بعلاج الأمراض بعد ظهورها، بل أصبح التوجه العالمي اليوم أكثر استباقية، حيث يسعى الطب الحديث إلى فهم أسرار الشيخوخة والتدخل في مراحل مبكرة للحفاظ على الحيوية والطاقة وجودة الحياة. ومن هنا برز مفهوم Longevity Medicine أو طب إطالة العمر الصحي، الذي يجمع بين الطب التجديدي، الطب الدقيق، والتقنيات الحديثة بهدف مساعدة الإنسان على العيش بصحة أفضل ولسنوات أطول.
في هذا الحوار الخاص مع الدكتورة ليال حجازي، المؤسِّسة والمديرة الطبية لـ Ageless Clinic، والمتخصصة في Longevity، Regenerative & Precision Aesthetic Medicine، نتعرف إلى مستقبل هذا المجال، دور الببتيدات في تجديد البشرة والصحة العامة، وكيف يمكن للطب الوقائي أن يغيّر علاقتنا مع التقدم في العمر.

كيف تشرحين مفهوم Longevity؟ وهل يقتصر على إطالة العمر أم يهدف إلى تحسين جودة الحياة أيضاً؟
طب الـ Longevity لا يعني فقط إطالة العمر، بل يعني إطالة السنوات التي يشعر فيها الإنسان بالحيوية والصحة الكاملة. دائماً أقول لمرضاي: الهدف ليس أن تصل إلى التسعين وأنت تعاني، بل أن تصل إلى الثمانين بكامل طاقتك وصفاء ذهنك. نحن نريد أن نضيف حياة إلى السنوات، وليس فقط سنوات فارغة إلى الحياة.
لماذا أصبح طب Longevity من أكثر التوجهات الصحية انتشاراً حول العالم؟
لأن الناس بدأوا يدركون أن المرض ليس أمراً حتمياً، وأن الشيخوخة نفسها يمكن التأثير في مسارها. أثبت العلم وجود آليات خلوية تسرّع عملية التقدم في السن، ويمكننا التدخل فيها. الجيل الجديد لا يريد انتظار ظهور الأعراض ليبدأ العلاج، بل يريد أن يعيش بطريقة استباقية وذكية.
ما هي الببتيدات (Peptides)، وكيف تعمل داخل الجسم؟
يمكن تشبيه الببتيدات برسائل نصية ترسلها الخلايا إلى بعضها البعض، حيث تحمل كل رسالة تعليمات محددة مثل إنتاج الكولاجين، إصلاح الأنسجة أو تنظيم بعض العمليات الحيوية. الجميل في الببتيدات أنها ليست مواد غريبة عن الجسم، فهو يصنعها بشكل طبيعي، وما نقوم به هو تعزيز هذه الإشارات عندما تضعف مع التقدم في العمر.
كيف تساعد الببتيدات في تجديد البشرة وتحفيز الكولاجين؟
الكولاجين هو البنية الأساسية للبشرة، ويبدأ بالانخفاض بعد سن الخامسة والعشرين. بعض أنواع الببتيدات ترسل إشارات مباشرة إلى خلايا الجلد لتحفيز إنتاج كولاجين جديد، كما تساعد على تقليل نشاط الإنزيمات التي تعمل على تكسيره.
النتيجة تكون بشرة أكثر كثافة، تجاعيد أقل وضوحاً، ومظهراً أكثر شباباً، لأن التحسن يحدث من الداخل وليس فقط على السطح.
ما أبرز فوائد الببتيدات للبشرة وتأخير علامات التقدم في السن؟
تعمل الببتيدات على مستويات متعددة، فهي تعزز إنتاج الكولاجين والإيلاستين، وتحسن مرونة البشرة وترطيبها، كما تساعد على تهدئة الالتهابات الخفية التي تسرّع عملية الشيخوخة.
لكن أفضل النتائج تأتي دائماً عندما تكون جزءاً من أسلوب حياة متكامل يهتم بالصحة الداخلية. قد يهمك: كل ما عليك معرفته عن فوائد الكولاجين للبشرة وكيفية استعماله!
هل يمكن للببتيدات تحسين صحة الشعر وتقليل تساقطه؟
نعم، بعض الببتيدات تساعد على تنشيط بصيلات الشعر وإطالة مرحلة النمو، مما يساهم في تحسين كثافته وتقليل التساقط. لكنني أبدأ دائماً بتحديد السبب الأساسي، سواء كان مرتبطاً بالهرمونات أو نقص العناصر الغذائية أو مشاكل الغدة الدرقية، لأن التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى للعلاج الناجح.
ما دور الببتيدات في تحسين الطاقة والنوم والتعافي الجسدي؟
الكثير من المرضى يعانون من الإرهاق أو النوم غير المريح رغم الحصول على ساعات نوم كافية. بعض الببتيدات تساعد على تنظيم الساعة البيولوجية وتحسين النوم العميق الذي يحدث خلاله الإصلاح الخلوي.
كما توجد أنواع أخرى تساعد في دعم تعافي الأنسجة بعد التمارين أو الإجراءات الطبية. الهدف ليس تحفيز الجسم بشكل مصطنع، بل مساعدته على العودة إلى حالة التوازن الطبيعية. في هذا السياق سياحة النوم.. الرفاهية الجديدة التي يبحث عنها الأثرياء لاستعادة التوازن والحيوية
هل يمكن للببتيدات أن تساعد في خسارة الوزن أو تحسين الكتلة العضلية؟
بعض الببتيدات تساعد الجسم على تحسين إنتاج هرمون النمو بشكل طبيعي، مما يدعم بناء العضلات وتحسين عملية الأيض. لكنها ليست بديلاً عن التغذية الصحية والرياضة، بل أداة علمية تساعد الجسم عندما لا يعود يستجيب بالطريقة نفسها كما في السابق.
هل جميع أنواع الببتيدات آمنة؟
عند استخدامها بالشكل الصحيح وتحت إشراف طبي، تتمتع الببتيدات بسجل سلامة جيد لأنها تعمل ضمن آليات الجسم الطبيعية. لكن العامل الأساسي هو الإشراف الطبي والتقييم الشامل قبل وضع أي بروتوكول علاجي.
في Ageless Clinic، يبدأ كل علاج بتقييم دقيق وفحوصات مناسبة، لأن الببتيد الصحيح، بالجرعة الصحيحة، للشخص الصحيح هو ما يصنع الفرق.
كيف تحددين العلاج المناسب لكل مريض؟
لا يوجد بروتوكول واحد يناسب الجميع، وهذا هو جوهر الطب الدقيق. أبدأ بفهم الصورة الكاملة للمريض: تحاليله، تاريخه الصحي، أهدافه ونمط حياته، ثم نضع خطة مخصصة تتم مراجعتها بشكل دوري.
أنا لا أعالج تحليلاً على ورقة، بل أعالج إنساناً كاملاً.
هل الببتيدات وحدها كافية لتحقيق نتائج جيدة؟
الببتيدات تعزز النتائج لكنها لا تصنعها من الصفر. التغذية، النوم، والرياضة هي الأساس، والببتيدات تأتي كطبقة إضافية لتحسين النتائج.
الأساس الصحي يشكل الجزء الأكبر من النجاح، بينما تساعد الببتيدات على تحسين التفاصيل الدقيقة التي تصنع فرقاً واضحاً.
متى يجب البدء بالاهتمام بطب Longevity؟
يبدأ الوعي في العشرينات، بينما يُفضل إجراء تقييم أولي في الثلاثينات لرسم الخريطة البيولوجية الأساسية للجسم. أما التدخل الفعلي فيبدأ غالباً في الأربعينات مع ظهور التغيرات الهرمونية والأيضية.
لكن الأهم أنه لا يوجد عمر مبكر جداً أو متأخر جداً للبدء بالاهتمام بالصحة.
ما أهم الفحوصات التي تساعد على تقييم الصحة البيولوجية؟
لا أكتفي بالفحوصات التقليدية، بل أبحث عن الصورة البيولوجية الكاملة، مثل مستويات الالتهاب، صحة الأيض، السكر والأنسولين، والتوازن الهرموني.
كما أصبح بإمكاننا اليوم تقييم ما يسمى بـ “العمر البيولوجي” للخلايا، والذي قد يختلف عن العمر الحقيقي للإنسان، وهذه المعلومات تساعدنا على اتخاذ قرارات وقائية مبكرة.
ما أكثر المفاهيم الخاطئة حول Longevity وPeptides؟
أكثر ما أسمعه هو أن هذا المجال مخصص للأثرياء فقط أو أنه مجرد تجميل باسم علمي. الحقيقة أن مبادئ الـ Longevity الأساسية مثل النوم الجيد، التغذية المتوازنة، الحركة ومعرفة المؤشرات الصحية متاحة للجميع.
أما الببتيدات فهي ليست هرمونات صناعية أو منشطات، بل جزيئات طبيعية تساعد على إعادة تفعيل قدرات الجسم.
لماذا يهتم المشاهير ورجال الأعمال بطب Longevity؟
لأن الأشخاص الطموحين يدركون أن الجسم والعقل هما أهم أصولهم. سواء كان الشخص رياضياً محترفاً أو مديراً تنفيذياً، فالهدف واحد: الحفاظ على أفضل أداء لأطول فترة ممكنة.
وأعتقد أن طب الـ Longevity سيصبح جزءاً أساسياً من الطب الوقائي في المستقبل.
كيف تتوقعين تطور هذا المجال خلال السنوات المقبلة؟
نحن نعيش مرحلة مهمة جداً في تاريخ الطب. هناك أبحاث متقدمة حول استهداف الخلايا الهرمة أو “الخلايا الزومبي” التي تتراكم في الجسم وتسرّع الالتهاب والشيخوخة.
كما سيغير الذكاء الاصطناعي طريقة تقييم الصحة البيولوجية، حيث سننتقل من أرقام ثابتة إلى نماذج تنبؤية أكثر دقة وشمولاً.
ما الروتين الصحي الذي تتبعينه شخصياً؟
النوم يأتي أولاً، فأحرص على الحصول على ثماني ساعات على الأقل كل ليلة، لأن النوم هو الوقت الذي يقوم فيه الجسم بعمليات الإصلاح الخلوي.
في التغذية أركز على البروتين والألياف، وأحرص على الحركة اليومية حتى لو لم تكن من خلال تمارين رياضية منظمة. كما ألتزم بمكملاتي وفحوصاتي الدورية، لأنني كطبيبة لا أستطيع أن أنصح بشيء لا أطبقه على نفسي.
ما أهم ثلاث نصائح لكل شخص يرغب بحياة أطول وأكثر صحة؟
أولاً: اجعلوا النوم الجيد أولوية غير قابلة للتفاوض، فهو أساس الصحة.
ثانياً: ابنوا عضلاتكم، فالعضلات ليست فقط للقوة، بل هي حماية مهمة ضد الشيخوخة والتراجع الجسدي.
ثالثاً: اعرفوا أرقامك الصحية، لأنكم لا تستطيعوا تحسين ما لا تقيسوه.



