لم يعد افتتاح أسبوع الموضة في دبي مجرد حدث ضمن روزنامة عالمية مزدحمة، بل بات لحظة دلالية تعكس تحولات عميقة في صناعة الأزياء الفاخرة. اختيار دار ألبرتا فيرّيتي Alberta Ferretti
الإيطالية لتكون افتتاحية أسبوع دبي للموضة 2026 جاء ليؤكد هذا التحول، وليضع دبي مجددًا في موقع الشريك الفعلي لدور الأزياء العالمية، لا مجرد محطة عرض خارج العواصم التقليدية.
بعد مشاركة دار زينيا في العام الماضي، تواصل العلامات الإيطالية حضورها في المنطقة، في مشهد يعكس إعادة رسم لخريطة النفوذ في عالم الفخامة، حيث لم تعد باريس وميلانو وحدهما مركز الثقل، بل تشاركهُما مدن جديدة تمتلك جمهورًا متعطشًا، وقوة شرائية متنامية، ورؤية ثقافية منفتحة.
عرض خارج السياق التقليدي لكنه في صميم المرحلة

ألبرتا فيرّيتي، المعروفة بحضورها الثابت ضمن عروض ميلانو، خرجت هذه المرة من إطارها الجغرافي المعتاد، لتكشف عن مجموعة خريف وشتاء 2026 في حي دبي للتصميم. هذا القرار لم يكن مجرد تجربة جديدة، بل خطوة محسوبة بعناية، تعكس رغبة الدار في مخاطبة أسواق المستقبل من قلبها.
دبي، بما تمثله من تقاطع بين الثقافات والاقتصاد والإبداع، قدمت مسرحًا مثاليًا لدار ترتكز هويتها على الأنوثة الهادئة والحرفية الدقيقة. وهنا، لم يكن العرض استعراضًا منفصلًا عن المكان، بل حوارًا بصريًا بين تصميم إيطالي متجذر ومدينة تنظر دائمًا إلى الأمام.
لورينزو سيرافيني إعادة صياغة الهوية بهدوء

منذ توليه القيادة الإبداعية للدار، يعمل لورينزو سيرافيني على إعادة بناء لغة ألبرتا فيرّيتي دون صدام مع إرثها. المصمم، الذي سبق له قيادة خط “فلسفة” لسنوات طويلة، يعرف جيدًا كيف يوازن بين الوفاء للهوية والبحث عن صوت معاصر.
في دبي، قدّم سيرافيني مجموعة تضم أكثر من ثلاثين إطلالة، اتسمت جميعها بطولها الميدي أو الطويل، وبحضور أنثوي واضح لا يعتمد على المبالغة، بل على الدقة. المجموعة بدت وكأنها دراسة هادئة في كيفية إبراز الجسد دون فرضه، وفي كيفية الجمع بين البناء الصارم والخفة البصرية. قد يهمك: مانيش مالهوترا يختتم أسبوع دبي للموضة بعرض استثنائي بمشاركة أدريانا ليما وفاليري كوفمان
بناء، حركة، وانسيابية مدروسة

افتتاح العرض جاء قويًا ولكن غير صاخب. سترات محددة عند الخصر، بلوزات عالية الرقبة مستوحاة من مرجعيات تاريخية، تنانير طويلة تنساب مع الحركة، وأحذية تضيف بعدًا عمليًا للتصاميم. كل قطعة بدت وكأنها وُضعت في مكانها بعناية، دون رغبة في لفت الانتباه القسري.
الجلد ظهر بلمسة ناعمة، بعيدًا عن القسوة المعتادة، فيما جاءت البنطلونات الواسعة المطوية لتمنح الإطلالات توازنًا بين الراحة والأناقة. أما الفساتين، فشكّلت العمود الفقري للمجموعة، من خلال مكشكشات محسوبة وأقمشة تلتقط الضوء دون بهرجة.
فخامة لا تعتمد على الاستعراض

ما يميز هذه المجموعة هو ابتعادها الواضح عن فكرة “الإطلالة الاستعراضية” التي تهيمن على كثير من عروض اليوم. الفساتين المخملية، المعاطف الطويلة، والقطع ذات الملمس الشبيه بالريش، جاءت جميعها لتخدم إحساسًا عامًا بالفخامة الهادئة، تلك التي لا تحتاج إلى تفسير.
حتى القطع الأكثر درامية، مثل المعطف الأسود المصنوع من الجلد الصناعي، لم يخرج عن إطار الأناقة المتزنة، بل شكّل نقطة تباين داخل مجموعة منسجمة بصريًا.
أنوثة عالمية بلا عنوان جغرافي

رغم أن العرض أُقيم في دبي، لم تحمل المجموعة أي إشارات مباشرة للمكان. وهو خيار واعٍ من المصمم، يعكس إيمانه بأن الأنوثة التي تقدمها ألبرتا فيرّيتي لا تحتاج إلى تكييف جغرافي. هي أنوثة عالمية، تخاطب امرأة تعرف ما تريد، وتبحث عن ملابس تعبّر عنها لا عنها.
هذا التوجه جعل المجموعة قريبة من ذائقة جمهور دبي دون أن تكون مصممة خصيصًا له، وهو ما يُعد نجاحًا حقيقيًا في سوق متعدد الثقافات.
عودة واعية إلى ملامح الجسد

ضمن السياق العام للمجموعة، برز توجه واضح للعودة إلى قصّات تبرز الجسد الأنثوي، بعد مواسم طويلة هيمنت فيها القصّات الذكورية والفضفاضة. الخصر عاد ليكون نقطة ارتكاز، والقصّات أصبحت أكثر تحديدًا دون أن تفقد نعومتها.
هذا التحول لا يبدو مجرد نزعة جمالية، بل موقفًا تصميميًا يعكس رغبة في إعادة التوازن بين القوة والنعومة، بين العملية والرغبة في التعبير. قد يهمك أيضاً:أبرز إطلالات اليوم الأول من أسبوع الموضة في دبي 2025
ألوان تهدئ المشهد

لونيًا، اختار سيرافيني لوحة هادئة ودافئة. درجات الليلك، الخوخي، الزيتوني، والبني انسجمت مع الأسود الكلاسيكي لتخلق إحساسًا بالاستمرارية والعمق. هذه الألوان لم تسعَ إلى الصدمة، بل إلى خلق حالة مزاجية تتماشى مع روح المجموعة.
في زمن تتغير فيه الصيحات بسرعة، بدت هذه الألوان وكأنها دعوة للتأمل والهدوء، بعيدًا عن اللهاث خلف الترند.
الإبداع كقيمة اقتصادية

في ظل التحديات التي تواجه قطاع الفخامة عالميًا، يبرز سؤال الجدوى الاقتصادية لكل عرض وكل مجموعة. سيرافيني يواجه هذا السؤال بوضوح: الإبداع ليس رفاهية، بل ضرورة.
الدار، كغيرها من العلامات الفاخرة، تدرك أن المستهلك لم يعد يشتري بدافع الحاجة، بل بدافع الإقناع. والقطعة التي لا تحمل فكرة أو قيمة مضافة، لن تجد طريقها إلى خزانة ممتلئة أصلًا.
دبي في قلب معادلة النمو

ألبرتا فيرّيتي تفتح أبواب الموضة الإيطالية في دبي بمجموعتها لخريف وشتاء 2026التفاعل الإيجابي مع العرض يؤكد مجددًا أهمية السوق الإقليمي للعلامات العالمية. ألبرتا فيرّيتي ليست جديدة على المنطقة، لكنها اليوم تعود إليها ضمن سياق مختلف تمامًا، حيث تشير التوقعات إلى نمو متسارع في سوق السلع الفاخرة، قد يتجاوز 30 مليار يورو خلال السنوات المقبلة.
هذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت دبي أكثر من مجرد منصة عرض، ولماذا تسعى دور الأزياء إلى بناء حضور طويل الأمد فيها.
أسبوع دبي للموضة… صورة لمستقبل متعدد الأصوات

افتتاح ألبرتا فيرّيتي مهّد الطريق لأيام تحتفي بتنوع المشهد الإبداعي، حيث يلتقي مصممون من خلفيات مختلفة في مساحة واحدة. من الأسماء العالمية إلى المواهب الإقليمية، يعكس البرنامج رؤية دبي كمدينة تستوعب الاختلاف وتحوّله إلى قيمة.


