برحيل المصمم الإيطالي الأسطوري فالنتينو غارافاني Valentino Garavani ، يفقد عالم الموضة واحداً من أعمدته التاريخية، ورائداً صاغ الأناقة كلغة عالمية تتجاوز الزمن والصيحات. لم يكن فالنتينو مجرد مصمم، بل صانع حلم، واسمٌ ارتبط بالفخامة الهادئة والأنوثة الراقية على مدى أكثر من ستة عقود.
وفي هذا الملف الخاص، نعود إلى مسيرته الاستثنائية، ونستعرض قصته من البدايات في روما إلى قمم هوليوود، كما نسلّط الضوء على أبرز تصاميمه الأيقونية التي خلدت اسمه في تاريخ الموضة، من الفساتين الحمراء الأسطورية إلى لحظاته التي لا تُنسى على السجادة الحمراء.
في عالم الأزياء، قليلون هم من استطاعوا تحويل اسمهم إلى مرادف للفخامة والرقي، و”فالنتينو غارافاني” Valentino Garavani هو بلا شك أحدهم. أسس دار فالنتينو عام 1960، ليمنح العالم مفهوماً جديداً للجمال المترف، ويُدوّن اسمه في تاريخ الموضة كأحد أبرز مبدعي القرن العشرين.
البداية من روما: الحلم الذي وُلد في مدينة الخلود
وُلد فالنتينو في بلدة فوغيرا الإيطالية عام 1932، وأظهر منذ صغره شغفاً واضحاً بالرسم والأزياء. انتقل إلى باريس لدراسة التصميم في أكاديمية الفنون الجميلة (École des Beaux-Arts)، وتدرب في بيوت أزياء عريقة مثل جان ديسيه وغاي لاروش. لكنه سرعان ما قرر العودة إلى إيطاليا، وهناك، وتحديداً في روما، أسس علامته الخاصة بدعم من شريكه جيانكارلو جياميتي، الرجل الذي ساعد في تحويل موهبته إلى إمبراطورية.
أسلوب فالنتينو: أناقة ناعمة تستحضر الأوبرا والفن الكلاسيكي
تميّزت تصاميم فالنتينو منذ بدايتها بالقصات الناعمة، والتفاصيل الرومانسية، والأقمشة الفاخرة. كان مصدر إلهامه دائماً الفنون الكلاسيكية الإيطالية، وأزياء نجمات العصر الذهبي للسينما، مثل أودري هيبورن وصوفيا لورين.
فساتينه الطويلة المتدفقة كانت بمثابة سيمفونيات من الحرير والشيفون، تليق بمناسبات ملكية وسجاد أحمر. أسلوبه ارتكز على الاحتفاء بالأنوثة، دون مبالغة، بل بإحساس راقٍ ورفيع.
“أحمر فالنتينو”: اللون الذي أصبح أسطورة
في عالم الموضة، ألوان كثيرة تُستخدم، لكن قلة قليلة تُصبح أيقونية. الأحمر الذي قدمه فالنتينو، بلونه الخاص الذي يميل إلى الكرزيّ الدافئ، أصبح توقيعه الخاص، حتى أُطلق عليه لاحقاً اسم “Rosso Valentino”.
ظهر هذا اللون للمرة الأولى في إحدى عروضه في الستينات، واستمر منذ ذلك الحين كعنصر ثابت في كل مجموعة. يقول فالنتينو: “الأحمر هو لون الحياة، العاطفة، والفرح. لا يمكن أن تغيب المرأة عن السجادة الحمراء دون أن ترتدي الأحمر.”
فالنتينو والسينما: حضور هوليوودي لا يُنسى
لم يكن تأثير فالنتينو في عالم السينما هامشياً، بل جوهرياً. ألبس نجمات مثل جوليا روبرتس، التي ارتدت فستاناً أسود من توقيعه في حفل الأوسكار عام 2001، ما أعاد الدار إلى الصدارة. كما اختارته نجمات مثل غوينيث بالترو، كيت بلانشيت، وآن هاثاواي لتصميم إطلالاتهن الأيقونية.
فساتين فالنتينو لم تكن فقط على السجادة الحمراء، بل ظهرت في أفلام أيضاً، وكان لها دور في ترسيخ صورة الأنوثة الكلاسيكية على الشاشة.
لحظات لا تُنسى على منصات العرض
من أبرز عروضه التاريخية، كان عرض الأزياء الوداعي في 2007 في باريس، الذي تضمن أكثر من 45 فستاناً أحمر، وكأنها تحية ختامية للون الذي صنع مجده. كما عُرف بعروضه الساحرة في فينيسيا وروما حيث تمازجت الأزياء مع الموسيقى الكلاسيكية والعمارة الإيطالية.
إنجازات لا تُعد: من قصور أوروبا إلى هوليوود
خلال مسيرته، لبست من فالنتينو أميرات ونجمات، من جاكي كينيدي إلى غريس كيلي، ومن جينيفر لوبيز إلى الملكة رانيا. واحدة من أشهر لحظات الدار كانت فستان زفاف جاكي كينيدي إلى أوناسيس، الذي صممه فالنتينو.
كما نالت الدار إعجاباً نقدياً واسعاً، خصوصاً مجموعات الكوتور التي عرضت في باريس، حيث أثبت المصمم قدرته على المزج بين الحرفية الإيطالية والنفَس الفرنسي الرفيع.
قصة حب وشراكة: فالنتينو وجيانكارلو
خلف كل دار عظيمة قصة إنسانية، وقصة فالنتينو مع شريكه جيانكارلو جياميتي هي قصة وفاء ونجاح. لم يكن جيانكارلو شريكاً تجارياً فحسب، بل كان أيضاً شريكاً في الرؤية، والذوق، والإدارة. دام تعاونهما لأكثر من خمسين عاماً، ويُعد من أقوى وأجمل الثنائيات في تاريخ الموضة. في هذا السياق Roberto Cavalli رجل الموضة الجريء
خلف الكواليس: أتيلييه فالنتينو في روما
في قلب العاصمة الإيطالية، يُعتبر مشغل فالنتينو مكاناً مقدساً للحرفيين. هناك، تُخاط الفساتين يدوياً بدقة متناهية. كل قطعة تمر بأيدٍ خبيرة تملك سنوات من الخبرة، والنتيجة: فستان هو عمل فني حي.
مرحلة التقاعد والوداع الكبير
في عام 2007، قرر فالنتينو اعتزال تصميم الأزياء، بعد أن قدّم عرض وداع أسطوري في باريس ضمّ 45 فستان كوتور تلخّص مسيرته الفنية، واختُتم بمشهد أيقوني ظهرت فيه العارضات جميعهن بفساتين حمراء، تكريماً لرمزه الأبدي. حضر العرض كبار النجوم وعشاق الموضة، ولم تكن تلك النهاية لدار فالنتينو، بل بداية مرحلة جديدة. لم تكن نهاية الدار، بل بداية مرحلة جديدة. فقد استلم الراية من بعده مجموعة من المصممين، حتى استقرّت في يد بييرباولو بيتشولي، الذي واصل إرث فالنتينو بأسلوب عصري يُجاري جيل الألفية. تمكن بييرباولو بيتشولي من تحويل رمزية الدار إلى لغة شبابية دون فقدان الأصالة. قدّم مجموعات تجمع بين الرومانسية الكلاسيكية وروح الحداثة، بألوان قوية وتصاميم تجريبية. عروضه في مواقع تاريخية مثل متحف روما أو ساحة إسبانيا أضافت بُعداً فنياً جديداً. لتنتقل من بعده للمصمم أليساندرو ميشيل، والذي تولى منصب المدير الإبداعي في الدار في عام 2024. هو مصمم إيطالي، وقد خلف بييرباولو بيتشولي في منصبه بحيث تجمع بين الأصالة والتراث مع لمسة معاصرة، مما يمنحها لمسة فريدة.
فالنتينو والعالم العربي
لدار فالنتينو حضور لافت في الشرق الأوسط، حيث تُقدّر الأناقة والفخامة. ارتدت أميرات عربيات تصاميمه في مناسبات رسمية، وتُعد الدار من بين العلامات المفضلة لدى سيدات النخبة في الخليج.
العطور: أناقة تتجسد في الروائح
لم يقتصر تأثير فالنتينو على الأزياء فقط، بل امتد إلى عالم العطور. أول عطر حمل اسم الدار صدر في الثمانينات، وتلاه العديد من التركيبات التي تمزج بين الزهور الشرقية والجلود الراقية، ما يعكس هوية فالنتينو في كل زجاجة.
اقتباسات من فالنتينو
- “أعرف ما تريده النساء: أن يكنّ جميلات.”
- “كل امرأة تستحق لحظة على السجادة الحمراء.”
- “أنا لا أتبع الصرعة، أنا أصنع الأسلوب.”
كيف حافظ فالنتينو على هويته في عصر الحداثة؟
رغم مرور عقود على تأسيسها، بقيت دار فالنتينو وفية لهويتها. فحتى في مجموعاتها الحديثة، لا تزال العواطف، والفخامة، والأنوثة تتجلى، وإن بشكل أكثر تحررًا وجرأة.
توسعت الدار لتشمل الحقائب، والأحذية، والعطور، ونجحت في الحفاظ على جمهورها من النخبة، مع اجتذاب جيل جديد من الشباب.
فالنتينو بالأرقام
- سنة التأسيس: 1960.
- عدد سنوات الشراكة مع جياميتي: 50 سنة.
- عدد الفساتين في عرض الوداع: أكثر من 90 فستاناً.
- أول ظهور لـ”أحمر فالنتينو”: 1968.
- أكثر إطلالة شهرة: فستان جوليا روبرتس في الأوسكار 2001.
لماذا فالنتينو ما زال رمزاً حتى اليوم؟
لأن فالنتينو لم يصنع الموضة فقط، بل صنع الحلم. جعل كل امرأة تشعر بأنها نجمة أوبرا أو أميرة هوليوودية. رسالته في الأناقة لم تكن عن الابتكار الصادم، بل عن الجمال الذي يلامس الروح.
مجموعة فالنتينو لخريف وشتاء 2025-2026:
تحدي التقاليد وتجسيد الحداثة
قدّم أليساندرو ميشيل في عرض فالنتينو لخريف وشتاء 2025-2026 مجموعة جريئة ومتعددة الأبعاد، تحدّت من خلالها التصورات التقليدية المرتبطة بالدار. تميّز العرض بمكان غير مألوف وغني بالرمزية ليكون مساحة استكشافية للمواضيع المتعلقة بالحميمية والتعليقات الاجتماعية.
صُمّم هذا المكان بأسلوب “لينشياني” مستوحى من أعمال المخرج ديفيد لينش، مما أضفى على العرض شعوراً بالتوتر والغموض، كما حمل إيحاءات درامية قوية.
سعى ميشيل إلى إيجاد توازن بين التصميم العصري والتراث العريق لدار فالنتينو، معتبراً أن مهمته هي “تشكيل الماضي ليصبح حاضراً”. جاءت القطع في المجموعة قريبة من الأجواء اليومية، حيث ضمّت سراويل تويد مريحة، وكنزات برقبة على شكل حرف V، وسترات من الفرو الصناعي، وبلوزات البوستير، وجينز عالي الخصر، لتتسم بإمكانية الارتداء وتقديم لمسة معاصرة.
وأضفت شراكة ميشيل مع علامة Vans لمسة من الأزياء الرياضية والشبابية، لتعكس روح العمل المستمر والتجريب في المجموعة. تجلّى ذلك في التفاصيل غير المكتملة مثل الأطراف غير المخيطة، وأربطة الرأس المحبوكة، والبالاكلافا، والبلوزات المفتوحة من الخلف.
رغم روح التمرد والتجديد، حافظ ميشيل على توقيعه المميز في التصميمات الغريبة، حيث برز فستان بوجه قط مزخرف، وفساتين مطرزة من الحرير الجورجيت والدانتيل، في حين قدم فستاناً أسود بسيطاً ذا فتحة عميقة وشق عالي، ليمنح المجموعة توازناً بين الجرأة والبساطة.
عكست المجموعة القلق والتعقيدات الاجتماعية المعاصرة، مبتعدة عن صورة الدار الكلاسيكية المرتبطة بأناقة النخبة. كانت الطابع المسرحي للمجموعة والمكان غير التقليدي جزءًا من تجربة بصرية ووجدانية عميقة، جعلت من هذا العرض ذكرى لا تُنسى، ومؤشراً على تحول جرئ في مسار فالنتينو. المزيد من كيفية ارتداء الفساتين الحمراء بطرق راقية: تنسيقات ونصائح












