في عالم الرفاهية الراقية، هناك قطع لا تخضع لزمن محدد، بل تنتمي إلى ذاكرة ثقافية تتجاوز الموضة كظاهرة عابرة. وضمن هذا الإرث، تعود ساعة Montrérie من لويس فويتون Louis Vuitton إلى الواجهة، ليس بوصفها إعادة إنتاج كلاسيكية، بل كتصميم مُعاد صياغته بروح فكرية فخمة، تماماً كما يُعاد ترميم معلم معماري عريق مع الحفاظ على روحه الأصلية.
هذه العودة ليست مجرد لحظة نوستالجيا، بل امتدادٌ طبيعي لعلاقة قديمة بين الفن، العمارة، والصناعة الحرفية، علاقة بدأت مع المهندسة المعمارية الإيطالية غاي أولينتي، التي لعبت دوراً محورياً في تاريخ تصميم هذه الساعة، مثلما لعبت دوراً في تحويل محطة غار دورسيه الباريسية إلى متحف يحمل روح الماضي وجرأة المستقبل.
إرث معماري يتحول إلى لغة تصميم راقية
عام 1979، ومع بدء أعمال تحويل محطة غار دورسيه إلى متحف أورسيه، بدأت رحلة فريدة في المزج بين العمارة التاريخية والحداثة الفنية. اختيرت غاي أولينتي المعمارية ذات البصمة الفكرية العميقة — لقيادة المشروع، بعد أن أثبتت قدرتها على إحياء الأماكن لا عبر محو ماضيها، بل عبر إعادة تفسيره.
هذه الفلسفة ذاتها ستجد لاحقاً مسارها الطبيعي في عالم الساعات.
ففي عام 1988، عندما قررت لويس فويتون دخول عالم صناعة الساعات للمرة الأولى، لجأت إلى أولينتي، ليس بوصفها مصممة خارجية، بل كشريكة فكرية تُجسّد رؤية الدار التقدمية. واللافت أن متحف أورسيه نفسه يضم ساعة ضخمة تعدّ إحدى أهم علاماته المعمارية — وكأن الزمن كان الخيط السري الذي ربط بين العمارة والصناعة الحرفية الدقيقة.
ولادة ساعة مونتيري: تصميم يتحدى القواعد
أسفرت الشراكة بين لويس فويتون وأولينتي عن إطلاق ساعتي LV I وLV II قطعتيْن أحدثتا نقلة نوعية في لغة تصميم الساعات آنذاك. كان التصميم ثورياً بمعاييره:
- علبة على شكل حصاة ناعمة الحواف.
- غياب العروات التقليدية.
- تاج متموضع عند الساعة 12 مستلهَم من ساعات الجيب الكلاسيكية.
- ميناء غني بالتفاصيل التقنية، مع وظائف توقيت عالمي وتوقيت غرينتش.
جاءت LV I بقطر 40 ملم من الذهب الأبيض أو الأصفر، فيما قُدمت LV II بقطر 37 ملم مع علبة سيراميكية مقاومة للخدش بلونين أسود وأخضر خطوة كانت جريئة ومتقدمة لزمنها.
وسرعان ما اكتسبت الساعتان لقب “Montrérie” لتتحول من محاولة تصميمية إلى رمز لهواة الجمع ومحبي الساعات الاستثنائية.
ولم يكن غريباً أن تعود الساعة إلى منصة عروض لويس فويتون لخريف 2025، حيث ارتدتها العارضات فوق الأكمام أو حول العنق كسلسلة في إيماءة شاعرية تلخّص أن الزمن يمكن ارتداؤه كقطعة فن.
مونتيري 2026: إعادة إحياء لا تعيد الماضي بل تعيد تفسيره
كانت تلك الظهورات على المنصة مقدمة لما هو أكبر إعادة تقديم ساعة مونتيري بإصدار محدود من 188 قطعة فقط، في مقاربة تصميمية تشبه عملية ترميم معلم تاريخي بحس حداثي واعٍ.
تأتي الساعة بعلبة ذهبية بقطر 39 ملم تحافظ على شكلها العضوي الأنيق، مع ميناء بتقنية غراند فو للمينا، يتألق بلون دافئ غني يعكس عمق الحرفية اليدوية. ورغم بساطة الخطوط الرسومية، تمنح اللمسات الحمراء والزرقاء على مؤشري الساعات والدقائق رابطاً بصرياً مباشراً مع النسخة الأصلية.
هنا، لا تسعى لويس فويتون إلى محاكاة الماضي — بل إلى التحاور معه. قد يهكم: Vacheron Constantin صناعة الساعات العالمية: التوربيون في خدمة الدقة
تحديثات تقنية بلمسة جمالية كلاسيكية
في هذا الإصدار الجديد، ما زال التاج يحتل موضعه الأيقوني عند الساعة 12، بينما تستبدل الحركة الأصلية بالكوارتز بحركة أوتوماتيكية داخلية الصنع، محمية بغطاء خلفي مغلق، خيار يعكس رغبة الدار في تعزيز القيمة الميكانيكية والحرفية.
ومن التحسينات البارزة:
- سوار ذو آلية فتح سريعة مطابق لإصدار 1988.
- احتياطي طاقة يصل إلى 45 ساعة.
- توازن فني بين الأداء الهندسي والجوهر الجمالي.
إنها ساعة لا تحاول الصراخ بالحداثة، بل تهمس بالتطور.
ما بين أورسيه ومونتيري: الزمن كمساحة ثقافية
تشبه عملية إعادة إحياء مونتيري ما قامت به أولينتي سابقاً في متحف أورسيه:
ليس الهدف هدم الجدران أو استبدالها، بل إعادة بث الحياة في روح المكان — أو في هذه الحالة، روح التصميم.
فالساعة لا تعود إلى الماضي بوصفه مرجعاً جمالياً فحسب، بل بوصفه ذاكرة ثقافية، ورمزاً لتلاقي العمارة، الفن، والحرفية مع مفهوم الزمن المعاصر.
مونتيري ليست مجرد ساعة، إنها وثيقة تصميمية، قطعة تخاطب الذائقة النخبوية للمرأة والرجل على حد سواء، وتعيد التذكير بأن الفخامة الحقيقية ليست في البريق وحده، بل في الفكرة التي تقف خلفه.
عندما يتحول الزمن إلى بيان جمالي
من خلال إعادة إحياء ساعة مونتيري، تثبت لويس فويتون أن الابتكار لا يعني القطيعة مع الماضي، بل إعادة صياغته بمنظور أعمق وأكثر وعياً. فالقطعة الجديدة تحافظ على جوهر الرؤية التي وضعتها غاي أولينتي قبل عقود، بينما تمنحها روحاً معاصرة تتماشى مع لغة الفخامة اليوم.
تماماً كما حافظ متحف أورسيه على هويته المعمارية رغم تحوّله الوظيفي، تحتفظ مونتيري بأصالتها رغم تحديثها — فالزمن، كما تثبت هذه الساعة، ليس خطاً مستقيماً… بل حواراً دائماً بين الأمس والغد. المزيد من لويس فويتون إلى عالم الساعات الراقية مع “مونتغولفيير آيرو”







